الخميس، 6 أغسطس 2015

هذَيان.

-
صباحًا.. يبدو اليوم مختلفا جدا، يبدو أكثر اختناقا.
تفتح شبابيك قلبها قبل النافذة، تُوقد الشمسَ في داخلها قبل أن تدخل إليها دون عناء. ثمّةَ نور ناقص. ثمّة كسل.

تصبح الابتسامة شيئًا مترَفًا وصعبا جدا، يصبح الحوار مع الآخرين مستحيلًا، يصبح كل شيء عكِرًا، حتى بكاء الطفل البالغ أربعة أشهر بالكثير. يصبح ضجيجًا، صخبا.

( أصبحنا وأصبح الملك لله ). تذكرت أن تقولَ بعد غفلة.
جيد أننا نستطيع استحضار شيء ما في وقته. مرّ على استحضارنا الأشياءَ في وقتها زمن طويل.

تقف، يعصف بها دوار الكون كلّه، الكون ليس ثابتا إطلاقًا، وهذا الرأس يحمل كل شيء قابل للدوران. ويدور بها.
تقف مدة حتى تثبت الأرض بها، وتستطيع تمييز الأشكال أمامها. أحيانا، تبدو الأشياء المبهمة أجمل، كما يرى ناقص النظر الكون عندما يخلع نظّارته. كل شيء يبدو متشابها، وبسيطا جدا. كما نبدو ونحن مجرّدين من أي فكرةٍ أو انتظار أكثر خفّة، وأكثر اتزانًا.

تمارس يومها - ثقيل الظل - كما يليق به. كأنها تنافس الثقل، وهي تعرف أن هذا غباء على أقل تقدير. وحمق.

تهذي، تتكلم. تريد أن تقول أن الضربة تكون أقسى كلما كان صاحبها أقرب. الضربة التي تجعلك تتخدّر فيما بعد، وتحتمل كل ضربة أخرى، دون أدنى شعور. تقول دعونا من هذيان أن المرء لا يجب أن يلتفت إلى الآخر أو أن يجعله متحكما في مزاجه، قسرا عليك سيتحكم أحدهم في مزاجك، ويعكر بعضهم يومك، ويفتح لك آخر باب الحياة. لا تخدع ذاتك.


الاثنين، 3 أغسطس 2015

عَودة.

لَنا في الخطوِ
في الأوهامِ
في الأيّامِ
ألفُ عِظَةْ
وحسْبُ المرءِ
أحلامٌ تعوّضهُ
أسى اليَقَظةْ.
.
كمرّ سحابةٍ تمضي
بنَا هذي الحياة
سُدى..
هلِ ادّاركْتَ؟
- تسألني -
وما يجد السؤالُ صَدى.
.
خفيفًا
مثلَ ظلّ الطيرِ.. أرجو
أن أُرى. نَسمةْ.
أمرّ كأنني لا شيءَ.
أُهدي النورَ للعتمَةْ.
.
أمرّ ولا تدوسُ خطايَ
قلبًا.. ثم توجِعهُ.
ولا تأتي على جُرْحٍ
قديمٍ.. ثمّ تُرجعهُ.
.
ولا تقسُو على أحدٍ
فتفطرُ عينَه دمعَةْ.
وتوقد بسمةً بيضاءَ..
تحرقُ للأسى
شمعَةْ.
.
متى نمشي ويعرفُنا
الطريقُ النورُ.. والحقُّ؟
وينبتُ حولنا وردُ الرِّضا..
ويحثّنا الشوقُ؟
.
متى ننسى
فلا حزَنٌ، ولا أسفٌ، ولا قلقُ؟
متى نرنو إلى الأحلامِ
لا خوف ولا أرقُ؟
.
متى؟
والفطرةُ البيضاءُ تطرقُ
للهُدى بابًا.
- شقيٌّ عاد من صخبٍ..
ومن دربِ الهَوى آبَا.
.
سيَسقي اللهُ فطرتهُ
لتُزهرَ.. جنةً ورِضَا.
ويمضي .. أينمَا
وجدَ السبيلَ الحقَّ
فيهِ مَضى.
.
نمرّ.. وألف مثقالٍ
نحمّلها على الكتِفِ..
نعودُ إليْهِ.. يَقبلنا
فرَبُّ العائدِينَ يَفِي.
.

خِفافًا.. لا نرى ألَمًا
ولا يغتالُنا البُؤسُ.
فهلْ مِن عوْدةٍ أحْلى
تَبرّ النفسَ.. يا نفسُ؟

السبت، 1 أغسطس 2015

تحيّة.. وبعد

-
العَتمة الشديدة، أوّل دلائل طلوع الفجر. كان شمس يفكّر بينه وبين ذاته الواسِعة.

يمدّ يدهُ، تغرق في العتمةِ، لا يراها، تمتدّ إليه يدٌ، تحاول الإمساكَ به، يطفو. يمتنع. يريد أن يمدّ يده فيَصل هو.

يسمع نداءَ قلبهِ، يمتلئ به، ويُريبه أن ليسَ هنالك صدى. ونداء آخر من بعيد، ينادي لـ شمس، لكنه يتجاهل. يريد صوتَ داخلهِ هو.

يعرف شمس أنّه ركن ثبات على هذه الأرض. وأن الكلمة حين ينطقها تنساب قصيدة، وأن الورد يمتلئ حين تقبضه أنامله عبيرًا. يعرف أنه أقرب ما يكون إلى السّماء، وأن الليل الطويل دليل على صبحٍ قريب.
.
يغرق الأمل، يغرق عميقًا. وينجو شمس لأنه متسع للحياةِ رغما عن كلّ شيء. يغرق الأمل، وتنهار الدموع، وتَحترق الابتسامة. لكن شيئًا لا ينطفيء، قلب شمس. كان دائما مُضاء، ولم يزل.

مما يحقق الإنسان قلبه، ومما يحقق قلب الإنسان أن يُوقدهُ دائمًا بما بقي من شُعلٍ وأن يُطفئ منه جذوة الـ كلّ إلا نفسي.

.
إلا قلبكَ شمس. أوقدهُ رغم اليأسِ. وأطفئ به حرائقنا.






الجمعة، 17 يوليو 2015

عِيد.


.
متى العيدُ؟
.
عندَ ابتداءِ الهِلالِ
لـ عمرٍ سَعيدْ.
يرتّب فيهِ المنازلَ
حتى نَراهُ
إذا ما نظرنا
فريدْ.
يبادلنا الوعدَ أنّ الليالي
ستأتي كمَا نحن
دومًا نريدْ.
.
متى العيدُ؟
.
بعدَ اكتمالِ الشروقِ،
نصوغ حكاياتنا، ذكرياتِ الطفولةِ.
لمّتُنا حولَ جدٍّ حبيبٍ
وصوتُ قصائدهِ
كَالموسيقى. كترتيلِ وحيٍ
أتى من جديدْ.
.
تسابُقنا للجبينِ
النديّ، لكفٍّ مجعدةٍ
تستلذّ الشفاهُ بها القبلاتِ
يعود إلى الروحِ
دفءُ البدايةِ
- رغمَ السنينَ -
نقاءُ الوليدْ.
.
متى العيدُ؟
.
لمّا أناديهِ: عمّي.
وقلبيَ لهفةْ.
فيحضنني، أستعيدُ الحياةَ. أطير
بخِفّةْ.
أعود إلى ركنهِ
كلّ حينٍ، يُسابقُني العيدَ
يكسِرُ عزمَ الأنينِ
وأنفَهْ.
.
متى العيدُ؟
.
لمّا أراكَ .. أراهُ.
بكَ العيد يبلُغني منتهاهُ.
" سلامًا أبِي " فيغيبُ سِواهُ.
ويسكن قلبي، إلا هواهُ.

" سلاما ". .
جهاتُ الزمانِ.. تميلُ
وأنتَ تُعيد الجهاتِ إليَّا
يباغتني الهمُّ، طيفًا
فيهطلُ دمعُ فؤادِك..
حزنًا سخِيًّا
رضيتُ، وما ضرّ سخط الحياةِ
إذا كنت ترضى حبيبي عليَّا
.
متى العيدُ ؟
.
لمَّا بحضنكِ أرقَى.
وتصعدُ روحِي
سماءكِ.. شوقا
بك القلب إن شقيَ
اليوم ينقى.
أحبّكِ.. يُزهر خدّي إذا
ما رويتِيهِ قُبلةْ.
إليكِ أعودُ.. وعشرون عامًا
معي
مثل طفلَةْ.
تَعاركُ فيَّ المآزقُ.. تعصفُ
لكن بحضنك
تُصبح قِلةْ.
تقبّل " أمّي " شفاهِي
خُطاكِ وأنتِ
رضاكِ لوجهيَ قِبلَةْ.
.
متى العيدُ؟
.
لمّا تعانقُ أروَى
رضًا، اِبتِسامةْ.
ويُرفع رضوان بالآيِ
نورًا، ويكبر هامَةْ.
.
ولمّا لرَوضة ينضج
حلمٌ.. ويصحو
أمام رؤاهَا حقيقةْ.
وترسمُ آمنةٌ خيطَ نورٍ
بفرشاةِ أحلامِ روح رقيقةْ.
.
ولمّا يلقن أوّاب بالحبّ
نطقًا
عَليًّا
ويكبر فيهِ، أخاهُ وزيرًا
ويكبر فيَّا..
ولمّا يبادلهُ القبلاتِ..
ويبتسم الخافقانِ سويَّا.
.
متى العيد؟
.

عندَ اكتمالِ الصّبايا
بلونِ الحياةْ.
وغيمةُ عِشقٍ على
وجهِ صبٍّ
يقربهُ الوجد / يَنهى حَياهْ.
.
متى العيدُ ؟
.
لمّا تعود خطانَا
لنا من جديدْ.
وأحكِي لها عن طريقٍ
طويلٍ، ودهر انتظارٍ
وحلمٍ بعيدْ.
وأمنيتِي البكرُ / أنّى أطلتُ المسيرَ إليها
تقول: المزيدْ.
سيأتي.
ونبدأُ من صِفر خطوٍ
إلى الدربِ خطوا..
ويُطوى.. كما قبله ألفَ
عيدٍ..
يجيئُ، ويُطوى.
ونسألُه كل عامٍ.. جديدْ
متى فيك - يا قلب - يضحك عيدْ؟





الأربعاء، 8 يوليو 2015

قَدر.

-
تعودُ إلى نفسِها، ككلّ مرةٍ تشعرُ فيها أنها تخاطبُ الفراغَ حين تتكلمْ، وأن صدى تحبهُ، لا يعود. تشعر بالأمان إذ تعود.

الناسُ تؤمن حين تريدَ الإيمان، غالبًا في الأقدار الخيرة، وترغب عن الإيمان إلى القنوط حينَ الابتلاء، هذا ما طُبع الناسُ عليه، وأنت، وأنا.
- لكنني قررت ألّا أقنط هذه المرة. لأنني أحب الحياة. أشعر أن السماء قريبة، وأن الله يَسمعني، أسأله أن يُرسل إليّ جنودَه كي أطمئن. تُقبّلني جدتي المؤمنة المتوفّاة في منامي، أصحو، الناس ليسوا بخير، لكنني أشعر بيقين أنني بخير.
.
الحياة رحبةٌ، والنور بيّن، والطريق طويلة محفوفة بالشوك والوردِ في آن واحد. في كلّ وردةٍ شوكة، وإِثر كلّ شوكةٍ أجر. نحنُ إذْ نعبر الطريقَ نرغبُ في الوردِ فقط، لكنّنا سنكون سذّجًا لو توقعنا الوردَ فقط.
.
الله واسع، والأفق فسيح، وقدر واحد سيء لا يعني بأنّ الله لا يحبك. بل يعني أنه يريدُ منكَ مزيدًا من اللجوءِ إليه، يريد أن يفرحَ بعودتِكَ. يذكّرك بأنّ الطريق إليه سَداد، والاعتمادُ عليهِ أمل. يُنبهك إليه لتعلم أن كل شيء في حياتك، منه، إليه. وأنه لم يَخلُقكَ ليضيّعك. لكنه سيعيدك إليه إن أنت ضيعتَه باللطف، أو حتى بالقوة.. المهم أن تعود. الله يحبّك فاطمئنّ.
.
كل من حولكَ لن يعيشَ حياتك، لكل حياته، الذين يحبونك لا يريدون أن يسمعوا عنك سوءًا، ربما لأنهم يخشون عليك السوء، أو ربما، لأن السوء عنك يُؤذيهم. المهم أن تؤمن أنت أن السوء في حياتك، قدرك، وأن الخير، أجلك. لا تلتفت كثيرًا. لا تلتفت إطلاقًا.
--
- لماذَا قتلتِ حياتكِ بيديكِ؟
. لأنّ الله حرّم الظلم على نفسه، وجعله بيننا محرّما.
^^







الثلاثاء، 2 يونيو 2015

وحي الثلاثاء.




.

انظر إليَّ.
نظرت.
.

(1)

الحياةُ لا تمنحنا حلول وسَط، وكثيرًا ما نقرر ما نطمح أن يُكسبنا حلًّا وسطًا.
.

(2)

من الحماقةِ بمكان، ومن السوء، أن لا نجرحَ إلا الذينَ حملوا قلوبنا بين أكفهم ومشوا رافعين أيديهم حتى لا يمسّها سوءٌ ولا هم يمسّوها بسوءٍ. من الحماقة أكثر، أن نرَى أنفسنا منتصرين دونهم.

.

(3)

يكونُ النظرُ إلى السّماء مُجديًا كثيرًا حينَ تعكسُ وجهكَ، حينَ تستطيع أن تراها بعينين مُشرعتينِ ثابتتين، عدا عن ذلك، الأرضُ أولى يا صديقي أنْ تُرى. الأرضُ تقبل الجميعَ دائمًا، ولا تكلّف أحدًا غير أثقالِه.
.

اسمعني.
أسمع.
.
(4)

القوة تكمن في الشيء الذي يبقى، الذي يتلفُ لا قوةَ لك فيه، ولا قوةَ عليكَ منه أيضًا.
القوةُ تكمنُ في الأشياء التي لا تفارق ولا تخذل، الأشياء التي تقابلكَ بما تطمح وكما تطمح، ولا تأخذ منكَ إلا كما تعطيك، هناك قوتك.
كل شيء آخر لا يمنحك ما تمنح، ويخذلك كلما تفرح، هذا ألقِ به في اليمِّ دونما صناديق رحمة ولا مقتضيات بقاء، أو اطرحْهُ أرضًا يخلُ لكَ وجهُ قلبك.
.
(5)

حينَ تحدثني عن الذاكرة يا صديقي، سـ أحدثك عنْ قلبك، وعن المِسك المُتّقد منه، وعن الحُرقة في قلبي، التي لم أطمح لها يومًا. هذه الذاكرة التي لن أسمح لي بتجاوزها، اطمئن.




الاثنين، 1 يونيو 2015

اللهمّ نَفسي.

..
نَفسي يا ربّ.
..

بينَ حزنٍ وآخر، تعودُ تناجيهِ: " اللهمّ لا تجعلني غصَّةً ولا تجعلني حُزنًا " وتكفّ.

تهرب من دموعِها، تنأى عن ذاتها، وذاتها تشيب.
تشيب الذّاتُ حينَ يُهمّش حُزنها، أو حينَ تُلقى في بئرٍ معطّلةٍ لتَأسى أو تَموت.
تشيبُ حينَ تجد نفسها مَليئة إلّا منها، مُخلصة إلا لها، مشغولة إلّا بها. تشيبُ حين تكرّر: لا بأسَ. لا بأس..

لا شيء أقسى من أن تضعَ نفسك في مكان لا يُشبهها، أن تتخلّى عنها لحظةَ ضعف وتضرب بتوسّلاتها عرضَ الحائط سوى الحرائق التي ستشتعل فيكَ وتحيط بك بعدَ ذلك. لا شيء أقسَى من أن تكتم صوتَها، وتحبس الحقيقةَ التي تُزعجك سوى سجلّ الندمِ الذي سيراودكَ آناء الليل وأطرافَ النهار. 

ضعيفة. أوهن من بيتِ عنكبوت. تقلِّم تأنيبَ الوجعِ بالوجع، وتقضي على الغصة، بغصّة، وتسلكُ الدرب الّذي ينحتُها.
" هذه النفس " ... تبدأُ بالتّقريع إلى الأبد. إلى الأبد هذه النّفس تستحقُ أن تُسحقَ تحتَ عجلةٍ كبيرةٍ دون هوادةٍ أو رحمة، تستحقُّ أن تلقى في البحرِ لكن دون صندوق موسى يحميها ويأخذها إلى جهةٍ كي يهيأ لها معجزةً تأنس بها، وليس يبتلعها حوت يونس كي يُلقي بها على الشاطئ ذاتَ تسبيح. هذه النّفس، تلقى لتغرق. فقط.

ليسَ أقدر عليكِ من نفسكِ أحد، وليس أولى بك منها أحد. هذا درس الحياةِ الأبدية. هذا إذا أردتِ أن تحيينَ. تحدّث ذاتها.
تتنهّد نهايةَ يومٍ طويل وابتسامات متكلّفة عريضة، وخز القلب لا يتوقف، هذا القلب تالِف كما يبدو أيضًا. تضغط عليهِ. تتذكر أنها يجب أن تدعو: " اللهم لا تجعلني غصةً، ولا تجعلني حُزنًا ". ثم تنتبه إلى نفسها، تستدرك: " ولا تجعل لي يارب غصّةً، ولا تجعل لي حزنًا ". 


- اللهم نفسي.