الجمعة، 1 مايو 2015

دورَة حياة طويلة.

.

تبتسم كثيرًا، وتضحكُ أكثر مما تتكلم، تقول: هو الضحِك خُلقَ أصلًا عُذرًا للذين لا يجدون ما يقولون.

حينما تمشي، تكاد تتعثّر من هولِ النظرات، تحاول ألّا ترفعَ عينيها، تكتشف فيما بعد أنّها تنظر عميقًا في عيون الناس، وتغرق تغرق تـ غـ ر ق. إذنْ لا عتَب على النّاس، لا عتب.
تمشي على الأرض نعم، لكنها في الحقيقة ليست هُنا، تدور عيناها دهشةً كل حين لكل شيء ولِلا شيء، تنحني في منتصف الطريق، في منتصف الخُطى، حتى تطمئن إلى الوردة المائلة، هي تعلم أن الوردةَ صلبةٌ أكثرَ منها، بكثير، لكنها تأمل أن تمنحَ الأرضَ شيئًا ، وتتركَ على طرف الوردة أثرًا، ولا تفعل، تقفُ، تبقى تنظر إلى مساحة الورد بضع دقائق، الشمس في قمةِ حياتها، الفتيات يهربن من الشمس مشيًا سريعًا، تمسك إحداهن كتابًا كيْ تمنعها من صفعها. والشمس تصفع أحيانًا كثيرة. لكنها لا تفعل معها. الذي يأمن الطبيعةَ تأمنْه.
تمشي بعدَ أن تستغرق خيالها في تلك المساحة، وتصبح أبعد ما تكون عن الأرض، تتابع المشي، يغريها جناح الطير في الغصن البعيد، البعيد جدًا، وتقف ثانيةً لتتابعه. أو تمشي ورأسها يتبعها، لا بأس. تعود إلى ذاتها، ولا تلوم أي ناظرٍ إليها، تبتسم، عيناها تقول: أعترف أنني على مشارف الجنون، لا بأس.
تجلسُ على الكرسيّ المقابلِ للبركةِ غير العذبةِ في الحقيقة، لكنها تفي بالغرضِ، تسخر من الفتى الذي اتسخ ثوبه الأبيض بشايٍ لم يعرف كيف يتوازن وهو يمسكه ويمشي، تسخر منه حين يأتي ليغسل الشاي بماء البركة: الشاي ألطف على ثوبك من هذا الماء يا أخي. هههه
تقلص عينيها، إلى الشجرة هذه المرة، تكتب قصائدًا في خيالها، لكن لا تحبسها في الورق، القصيدة الحرة أجمل، تكتب الكثييير، وتغني، ويكاد صوتها يُسمع، لكن تفيق. تفيق لأنها تلاحظ حركةً قريبًا من قدمها، وهي الملتفة بكل ما أوتيت من أطراف حتى لا تحاول حشرةٌ ما أن تتسلقها. فأر. فأر يقترب، لكن ليس منها، يقترب ليختار حبة " نَبق " طرية، يمسك واحدةً، يتفحصها، يتركها، يمسك الأخرى، يتفحصها، يحملها، يختفي: هه، حتى الفأر، يركز حين يختار شيئًا.
وقت المحاضرة، تفكر في عدد الساعات التي تغيبت فيها عن المحاضرة هذه، بقي غياب واحد ويكون عليها إنذار. أف. تقوم متثاقلة، تشمل المكان جميعه بعينيها، كأنها ستراه للمرة الأخيرة، وهي متأكدة أنه يفصلها عن المكان نفسه محاضرة واحدة ليس إلا. تذهب.
تدخل بين الطالبات، تستشعر الغربةَ أقصى ما تكون عليه، حتى تصادف إنسانًا تأمنه، تجلس في الصف الأخير أو بعد الأخير. تسمع المحاضرة وتكتب شيئًا آخر. أو تسرح في وجه المحاضرِ وتغييييب، لكن لا تنسى أن تحرك رأسها إشارةً أنها هنا، تسمعك ومعك تمامًا.
تفتح الهاتف. مثالية جدا. تكره المثالية جدًا. تلتقط الصورَ كي تستلهم الكون، وتكتب، وتكتب لأنها تحتاج أن تكتب، وتسمع صوتيةً جديدةً كي تضجّ فتكتب، تحضر اجتماعًا في مساء اليوم، كي تمتلأ، وتكتب. إنها تكتب كل حين لكنها لا تملؤ ورقة.
في كل مكان تضع بصمةً لا تشبهها وتتلقَى على إثرها التحايا والمديح، لا يؤذيها شيء أكثر من أنها لا ترى كما يرون: أحتاج زاويةً كزواياكم. أحتاج أن أندهشَ منّي. تبكي.
تدخل البيت، الذي يميز الحياةَ الآن أنه لا غربةَ هنا.
.
كم تتمنى لو أنها تستطيع أن تحمل دفء أمّها وغفلة أخيها الصغير وأمانَ أبيها معها كل يوم، تشعر أنها تحتاج هذه الأركان دائمًا كي تأمن الحياة.

تأكل أو لا تأكل، الأمر ليس مهمّا، في النهاية يبدو الشبع وجعًا نفسيًا وتأنيبَ ضمير.
..

تشعر أنها تحتاجُ صلاةً أخيرة.
تستعدّ بكلّ ما أوتيت من روح راغبة.
تصلي.
تُنهي صلاتها، تتكور على ذاتِها وما زال لبس الصلاةِ عليهَا، ثم ترجو بعمق: اللهم لا تكرّرني على هذه الحياةِ، ولا تمنح أحدًا من صفاتي شيئًا مُطلقًا، ولا تُشبّه بي صغيرًا وإنْ تسمّى باسمي. وإنْ أخذَ من ملامحي شيئًا. اللهم لا ترفعْ سقفي في نظر أحد، ولا تجعلني خيبةَ أحد، اللهمّ لا تُثقلني على كتف أبي وأمي، ولا تثقلني على مسامع صديقاتي، اللهم لا تجعل صوتي عاليًا كي لا يسخط الكون مني. اللهم أحتاجُ قلبًا طاهرًا كي أستوعب الحياةَ كما تحبّ مني. اللهمّ أجبني.
و تـَ نـ ـا م.

















إِلى اللهِ.

..

وأطمحُ أنْ أستزيدَ قليلًا.

وأمشيَ دربَ الهُداةِ سبيلًا

وأطمحُ أنْ تحتويني السماءُ

وأُمعِنُ فيها البقاءَ

طويلًا.

وأرجو الحياةَ سلامًا

ووردًا

وأرجو النجاةَ و

ظلًّا.. ظليلًّا.

وألمحُ في القلبِ سحرَ اخضرارٍ.

ومنْ ضفتيهِ همى الحُبُّ نيلًا.

وأغرقُ في نيلهِ باشتياقٍ

إلى النورِ.

هل كانَ نيلي دليلًا؟

إلى اللهِ.

هزّ اشتياقي نِداهُ

وأزهرَ دربي.. جميلًا

جميلًا.

إلى اللهِ.

يصغر همّي

ويعبرُ

دمعًا هزيلًا

وصوتًا نحيلًا.

إلى اللهِ.

أسمى رحيلٍ.

فكيفَ إلى غيرِ وجهكَ أرجو رحيلًا؟

الخميس، 23 أبريل 2015

ماذا لو ...؟



.

ماذا لو استطعنا أن نتجاوزَ الحياةَ بخطوةٍ واحدة خاطفة نحو السماء ؟ ننسى الأرضَ والناسَ وذواتنا المُرهِقة المرهَقة، نصيرُ غيمةً أو قطعة ليلٍ لا يهم، المهم ألّا نصير قطرةَ مطر، أو نجم مؤهل للسقوط؛ كيلا نعود ثانية - على غير استعدادٍ - إلى الأرض!

ماذا لو كانَ للذاكرة عمرٌ ولقلوبنا صدًى وكان للغرقِ وقتٌ معلوم؟ ماذا لو كنّا نستطيع أن نستعيدنا من إطراقنا بكل وعي، وقوة؟
لن نصطدمَ بشيء حينذاكَ، وسيكون القلب ساكن المعالم. سنكون أكثر احترازًا، وأوفر أملًا، ولن نفكر في رحلةٍ إلى السماء؛ لأنّ الأرض حينها ستكون واسعة.
ماذا لو كنا نستطيع إيقاف الزمن لبرهة،
نمسح الخرائط العابسة في وجوهنا وننزل الحياةَ عن أكتافنا المائلة، نستقل قليلًا، نبكي قليلًا، نصلي كثيرًا حتى نغرقَ بالمددِ والنورِ معًا، ثم نأتي الحياة مرةً أخرى، ونحن غير الذي كنا؟
ماذا لو كان الطريق بساطًا أخضر، وكنا فراشات، وكانت الحياةُ ربيعًا، والورد لا ينام والبحر أقل منّا ضجيجًا وأشدّ زرقةً والسماء فوقنا لا تكف عن الهطول، والريحُ الغاضبة علينا.. نسمة؟
( هنا استوقفتني نفسي - التي تحاول الإيمان - كيْ تذكّرني أنني لم أزرِ السماء بعد، وأنني مستيقظة في الأرضِ ليسَ في الجنة ).
ماذا لو لم نكنْ نكتب، وكانت الدّموع هي التعبير المنطقيّ لكلّ شيء، ككلّ شيء.ٍ ماذا لو كنا أبسط من الحبِّ، أخفّ من الحقيقة وألطفَ بكثير من أن ننام هربًا، ونستيقظ رغم ذلك تائهين؟
ماذا لو ... ؟








السبت، 28 مارس 2015

نداء باهت.




‏يا أمّتي
الطوفانُ يعظم خلفَنا
والفلْكُ تَجري نحوَ درب هلاكِ.

يا أمّتي
ضلّ الرّصاصُ طريقَهُ زمَنًا.
فأحرقَ
أرضكِ
وسَماكِ.

وتشتّتتْ فيكِ الحياةُ
وكلّما
" خِلتِ " انتصارًا.
كذبتكِ رؤاكِ..

يتقاتلونَ.. باِسمكِ المنسيّ.
هلْ سفكوا سِوى آمالكِ
ودماكِ ؟

رفعوا الجِهاد على ضلالِ رِماحهم
كذبًا. وألقوا في الظلامِ رُباكِ.

..


المجدُ - يا أمّي - شهيدٌ
واقفٌ كالظلّ.. يحرسُ أمنياتِ
مداكِ.

ويبيتُ في عينيهِ حزنُكِ دامعٌ.
إذْ تحملُ الأيامُ وجهَ عِداكِ.

ناجاكِ قبل مضيّهِ
متبتّلًا. صبًّا: لأجلكِ أنتِ
ليسَ سواكِ.

نادى على الزيتونةِ الغبراءِ
في ركنِ الطريقِ: سأستعيدُ
نَداكِ.

في جيبهِ..
البارود، محضُ كرامةٍ.
في قلبهِ:
وعدُ الحياةِ..
هواكِ.

وحبيبةٌ كتبتْ على أطلالهِ:
الحرّ غادَرَني. وقلتُ: فِداكِ.











































الجمعة، 20 مارس 2015

20-3

العشرين من آذار / 2014 / الخميس / التاسعة صباحًا، أو قبل ذلك بقليل.


تعرف؟ لولا أنّني أبتلع الشوق وأختنق بالغصّة الآن، لظننت كلّ ما حدثَ كابوسًا عابرًا. الأمرُ أقسى مما يجبُ. صدّقني.

العابرينَ على حياتنا كالأملِ، كالحُلم الخفيف البارد الأبيض، كالغيمةِ تُهدي مطرًا.. وتغيبُ أبدًا. كـ أنتَ.

لولا أنني ألتمسُ أثركَ في القلبِ، وأتكيءُ على الذاكرةِ، لولا أنني أراكَ في عيون المحبّين شاؤوا أم أبوا، لولا أنّ لسان أمك تفضح صبرَها، ولولا رائحةُ المكانِ وصوتُ الأثرِ لقلتُ أنّك لم تكنْ أكثر من حلم جميلْ.

حينَ رحلت استيقظَ شطرٌ في قلبي، وبقي يلحّ عليّ:
موتُ الشموسِ على أكتافنا.. وجعُ

ثم عجزتُ أن أكملهُ أو أؤجّله. تركته هكذا معلّقًا، كتبتُ بعدهُ:

أنا ماتت شموسيَ مُذ رحلتم
ويومَ لقائِنا ستعودُ شمسُ.

أصررتُ على الشمس؟
ربما لأنها أشبهُ الأشياءِ بك في إشراقكَ وغروبكَ ودفئكَ وذاكرتكَ التي أصبحنا مُثقلينَ بها. حين كنت أحاول أن أستبدل الحزنَ بقصيدةٍ، كما اعتدنا، أدركتُ أن القلم أضعف الإيمان، والقصيدة أضعف الشكوى، وأن الرسائل تكون أقل مما يجب حين تكون ثقيلةً. جدًّا.

بعدَ عامٍ: إبرةُ السّكري ما زالت في درجِ المكتبِ، بجانبها قطع شوكولاتة احتياطية لاحتماليةِ نزول معدل السكر في دمك ليلًا.

عمّي: كنتُ قد نويت أن آتيكَ بوردٍ في زيارةِ العصرِ، علّه يشفع لي تأخري وتقصيري، لكن الموتَ أسرع مني، ومن الوردةِ التي بكت حينَما لم تصلْك. لم يشفعْ لي عندكَ شيء.

أخيرًا: في شريعةِ الحياةِ يبقى الموتُ هو المسافة الأكبر الفاصلة بين اثنينِ. غير أنّ الآية انعكستْ فيكَ.
برعم الحبِّ لا يموتُ حينَ نموت، بل ينمو بحياةٍ أكبر، حتى وإنْ أنبتَ شوكًا. أحبّك.

الجمعة، 13 مارس 2015

كانتْ.

بسمِ اللهِ ربّ البحرِ
وربّ القلب
وربّ الحبّ
بسم اللهِ ربي وربكَ وربّ كلّ شيءٍ.
كانتْ تقولُ حين تقفُ على مشارِف البحرِ ينسابُ قلبُها حينَ ينسابُ، وتغرقُ  حتى تنسى، وتخرجُ طفلةً أخرى.

كانتْ تقلّم على حافتهِ أطرافَ الشّوقِ والوجعِ، كانتْ تقولُ: لا بأسَ. رغم البأسِ الذي يغمرها حينَ ترى الموجَ وتخشى الغرقَ.

ممتنّةٌ للوقتِ كانت، إذ الشمس تشبهها انطفاءً، والريحُ حيرى، والأفق في حضرةِ تلكَ الزرقة بعيد جدًّا، جدًّا، وشاقٌّ قليلًا، لكنّها اعتادت المشقة وألفتها على كلّ حال.

ممتنّة للصوتِ الأولِ الذي انسكبَ في قلبِها، للنداءِ الأول الذي أصبحَ أخيرًا أيضًا.

ممتنّة لقلبها وذاكرتِها، حيثُ لم يكونا عدوَّين للمرّةِ الأولى منذُ افتُتحَ الكونُ لناظِريهَا.

ممتنّةٌ للسّماءِ، فمنذُ أشرعتْ جبينها إليها، لم تُنكسهُ خجلًا، كانتْ تقتربُ كل يومٍ شبرًا، وقد شعرتْ أنّها تجاوزت الشبرَ بإصبعٍ في اليوم الأخير.

أمسكتْ حفنةً من الرمل، باعدتْ بين أصابعها، تفرقتْ عيناها تعدّ سقوطَ الرملِ، تتبعُ الواحدةَ الأخرى. كان الرملُ يسقطُ محمّلًا بذاكرةٍ صفراء، أمنية قديمة، تلاوة منسيّة، قصيدةٍ محفورة أو بعض موت. كان التوالي مرهقًا، والانتظارُ حتى النهايةِ مملّ.

كانتْ تنظرُ للبعيدِ.
هناك حتمًا شيءٌ لا يضعُ قَدَمًا على الأرضِ، إمّا أن يَسكنَ الرّيحَ أو يصّاعد إلى السّماء. هذا الشيء وحده الذي يستحق أن تحيا لأجله، وتموتْ.

كانتْ.

السبت، 21 فبراير 2015

| يا بحْر |


.
يا بحرُ | هذي الأرضُ مركبُ أمّةٍ
وأنا الغريقُ. فهل تكونُ سلامًا؟

 
مُلقًى على تعبِ الطّريقِ..
يُضِلّني أفقي
وتُغرقُني الحياةُ ظَلامًا.

 
كلّ الحروفِ لديّ تلعنُ أختَها.
لمْ تُبقِ لي لغةُ الحنينِ، كلامًا.

 
يا بحرُ | غنِّ الحبَّ أبلغَ صيحةٍ
للنّائمين. عسى تُعيد قيامًا.

 
صلّى عليهِ القلبُ
أوثقَ ركعةٍ.
صلّى بِه الدمعُ الجريحُ إمامًا.

 
البحرُ يُهدي الزّائرينَ مساحةً
للبوحِ. لكن يصطفي الآلاما.

 
والأمنياتُ على احتمالِ خضوعِها.
ليلٌ.. تربّصَ بيننا أيّامًا.

 
لا شيء غير الفجرِ يكسرُ ظلّهُ
والفجرُ أبعدَ ما يكونُ مقامًا.

 
الرّاسخون على القلوبِ.. محبّةً.
والقابضون على الحنينِ.. زمامًا.

 
العابِرونَ الأرضَ شوقًا.. حائرًا.
أو جائِرًا.
والقائمونَ / هِيامًا.


لكمُ الحياةُ.
على مشارفِ دمعِنا
أوصَى بكم وعدُ اللقاءِ حمامًا.